✍🏼 منجد شريف
خلال رحلتي الأخيرة من بيروت إلى بلدتي اليمونة،
وعلى امتداد 113 كيلومترًا من الطريق، رافقني مشهد مؤلم بات مألوفًا:
نفايات على أنواعها مرمية على قارعة الطريق، وكأن الأرض قد تحوّلت إلى مكبّ متنقّل.
علب سجائر، فناجين قهوة بلاستيكية وكرتونية، أكياس نايلون، محارم،
وبقايا طعام، كلها تُرمى من نوافذ السيارات دون أي شعور بالخجل أو بالمسؤولية.
وكأن وضعها في كيس داخل السيارة ثم التخلص منها في أحد الحاويات الموزعة على طول الطريق، أمر يفوق قدرة البعض!
هذا السلوك ليس جديدًا، لكنه يزداد فجاجة واستهتارًا، في بلد يختنق أصلًا بأزماته البيئية. المؤلم في المشهد أن كثيرين من هؤلاء أنفسهم،
حين يسافرون إلى الخارج، يلتزمون بالقوانين البيئية بدقة،
ولا يجرؤون على رمي أي شيء في غير مكانه. أما حين يعودون إلى الوطن،
فكأن القانون والضمير بقيا هناك، وعادوا هم فقط.
وللأسف، لا يقتصر هذا المشهد على الطرقات فقط، بل يمتدّ إلى شواطئنا التي من المفترض أن تكون متنفسًا طبيعيًا للناس،
فإذا بها تتحوّل إلى مساحات ملوّثة تعجّ ببقايا الطعام، والعبوات، والأكياس، والمخلفات المختلفة. مشهد الزجاجات البلاستيكية المتناثرة على الرمال،
أو بقايا الفحم والعلب بين الصخور، ليس أقل إهانة من القمامة الملقاة من شباك السيارة. البحر، كالأرض، يئن من سلوكياتنا،
وكأننا نرفض أن نحافظ على أي ما تبقّى من جمال في هذا الوطن.
إن رمي القمامة، سواء في الطريق أو على الشاطئ، ليس فقط مخالفة بيئية، بل هو خلل تربوي وسلوكي وأخلاقي، ويُظهر مدى انعدام الإحساس بالمسؤولية الجماعية،
وبأن الفضاء العام ملكٌ لنا جميعًا، ويجب أن نحافظ عليه كما نحافظ على بيوتنا.
والمفارقة أن الجميع يطالب بالتغيير، بينما أبسط مظاهر التحضّر – كالتعامل مع النفايات – لا تُحترم.
في دول كثيرة حول العالم، جرى التعامل مع هذا الواقع بجدّية وإبداع.
في سنغافورة، مثلًا، تُرصد المخالفات البيئية بالكاميرات، وتُرسل الغرامات مباشرة إلى المخالفين.
في كندا وألمانيا، تُطلق حملات توعية ذكية تستخدم وسائل التواصل، والإعلانات المؤثرة، والمجتمعات المحلية، لزرع ثقافة النظافة. اليابانوأستراليا تقدّمان نموذجًا آخر عبر برامج تشجّع الناس على التبليغ عن أي سلوك مضرّ بالبيئة،
ما خلق بيئة من الرقابة الإيجابية والتعاون. أما في السويد والنرويج،
فالتربية البيئية تبدأ من المدرسة، حيث يتعلم الطفل أن احترام الشارع والشاطئ هو احترام لذاته وكرامة مجتمعه.
لدينا الكثير مما يمكن فعله. أولًا، لا بد من فرض غرامات حقيقية على من يرمي القمامة في غير مكانها.
ثم يأتي دور الشرطة البلدية التي يجب أن تتواجد فعليًا لا شكليًا. من الضروري أيضًا إنشاء تطبيق رقمي بسيط يمكّن المواطن من التبليغ عن أي مخالفة بيئية في الطرقات أو الشواطئ.
كما أن المدارس والجامعات والجمعيات قادرة على تنظيم حملات تنظيف دورية تكون مناسبة للتوعية، والتربية،
وبناء الحسّ بالمسؤولية.
ويمكن للبلديات أن تنشر تقارير دورية تقيّم النظافة في أحيائها وقراها، مما يحفز المنافسة الإيجابية.
بلدك بيتك، وهذا الشارع شرفتك، وهذا الشاطئ حديقتك.
فكما لا ترضى أن يرمي أحدهم القمامة في صالون منزلك، لا تجيز لنفسك أن تفعل ذلك في مكان عام.
إن احترام المكان يبدأ من احترام الذات، والنظافة ليست مجرّد إجراء بل انعكاس لثقافة وانتماء.
فلنبدأ جميعًا بتحمّل مسؤولياتنا، لأن القمامة ليست المشكلة… بل من يرميها.


